عبد الرحمن بن ناصر السعدي

764

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

وصفها ، وفي منطقها وبيانها ، ولهذا قال تعالى : * ( أو من ينشأ في الحلية ) * أي : يجمل فيها ، لنقص جماله ، فيجمل بأمر خارج منه ؟ * ( وهو في الخصام ) * أي : عند الخصام ، الموجب لإظهار ما عند الشخص من الكلام * ( غير مبين ) * أي : غير مبين لحجته ، ولا مفصح عما احتوى عليه ضميره ، فكيف ينسبونهن لله تعالى ؟ ومنها : أنهم * ( جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) * فتجرؤوا على الملائكة ، العباد المقربين ، ورقوهم عن مرتبة العبادة والذل ، إلى مرتبة المشاركة لله ، في شيء من خواصه ، ثم نزلوا بهم عن مرتبة الذكورية ، إلى مرتبة الأنوثية . فسبحان من أظهر تناقض من كذب عليه ، وعاند رسله . ومنها : أن الله رد عليهم بأنهم لم يشهدوا خلق الله لملائكته . فكيف يتكلمون بأمر من المعلوم عند كل أحد ، أنه ليس لهم به علم ؟ ولكن لا بد أن يسألوا عن هذه الشهادة ، وستكتب عليهم ، ويعاقبون عليها . وقوله تعالى : * ( وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) * فاحتجوا على عبادتهم الملائكة بالمشيئة ، وهي حجة لم يزل المشركون يطرقونها ، وهي حجة باطلة في نفسها ، عقلا ، وشرعا . فكل عاقل ، لا يقبل الاحتجاج بالقدر ، ولو سلكه في حالة من أحواله ، لم يثبت عليها قدمه . وأما شرعا ، فإن الله تعالى أبطل الاحتجاج به ، ولم يذكره عن غير المشركين به ، المكذبين لرسله ، فإن الله تعالى قد أقام الحجة أصلا ، ولهذا قال هنا : * ( ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ) * أي : يتخرصون تخرصا لا دليل عليه ، ويتخطبون خبط عشواء . ثم قال : * ( أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون ) * يخبرهم بصحة أفعالهم ، وصدق أقوالهم ؟ ليس الأمر كذلك ، فإن الله أرسل محمدا نذيرا إليهم ، وهم لم يأتهم نذير غيره . أي : فلا عقل ، ولا نقل ، وإذا انتفى الأمران ، فلا ثم إلا الباطل . نعم لهم شبهة من أوهي الشبه ، وهي : تقليد آبائهم الضالين ، الذين ما زال الكفرة يردون بتقليدهم دعوة الرسل ، ولهذا قال هنا : * ( بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة ) * أي : على دين وملة * ( وإنا على آثارهم مهتدون ) * أي : فلا نتبع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . * ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها ) * أي : منعموها ، وملؤها الذين أطغتهم الدنيا ، وغرتهم الأموال ، واستكبروا على الحق . * ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) * أي : فهؤلاء ليسوا ببدع منهم ، وليسوا بأول من قال هذه المقالة . وهذا الاحتجاج ، من هؤلاء المشركين الضالين ، بتقليدهم لآبائهم الضالين ، ليس المقصود به ، اتباع الحق والهدى ، وإنما هو تعصب محض ، يراد به نصرة ما معهم من الباطل . ولهذا كل رسول يقول لمن عارضه بهذه الشبهة الباطلة * ( أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ) * أي : أفتتبعوني لأجل الهدى . * ( قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ) * يعلم بهذا ، أنهم ما أرادوا اتباع الحق والهدى . وإنما قصدهم ، اتباع الباطل والهوى . * ( فانتقمنا منهم ) * بتذكيبهم الحق ، وردهم إياه ، بهذه الشبهة الباطلة . * ( فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) * فليحذر هؤلاء ، أن يستمروا على تكذيبهم ، فيصيبهم ما أصابهم . * ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون * بل متعت ه ؤلاء وآبآءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين * ولما جاءهم الحق قالوا ه ذا سحر وإنا به كافرون * وقالوا لولا نزل ه ذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون ) * يخبر تعالى عن ملة إبراهيم الخليل عليه السلام ، الذي ينتسب إليه أهل الكتاب والمشركون ، وكلهم يزعم أنه على طريقته . فأخبر عن دينه الذي ورثه في ذريته فقال : * ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ) * الذين اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم ، ويتقربون إليهم : * ( إنني براء مما تعبدون ) * أي : مبغض له ، مجتنب معاد لأهله * ( إلا الذي فطرني ) * فإني أتولاه ، وأرجو أن يهديني للعلم بالحق ، والعمل بالحق . فكما فطرني ودبرني بما يصلح بدني ودنياي * ( فإنه سيهدين ) * لما يصلح ديني وآخرتي . * ( وجعلها ) * أي : هذه الخصلة الحميدة ، التي هي أم الخصال وأساسها ، وهي إخلاص العبادة لله وحده ، والتبري من عبادة ما سواه . * ( كلمة باقية في عقبه ) * أي : في ذريته * ( لعلهم ) * إليها * ( يرجعون ) * لشهرتها عنه ، وتوصيته لذريته ، وتوصية بعض بنيه كإسحاق ويعقوب لبعض ، كما قال تعالى : * ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) * إلى آخر الآيات . فلم تزل هذه الكلمة موجودة في ذريته عليه السلام ، حتى دخلهم الترف والطغيان .